سليمان الدخيل
53
كتاب الفوز بالمراد في تاريخ بغداد
لذلك نرى إنه لا صحة لما ذهب إليه بعض المؤرخين من أن الخلفاء تجاهلوا العرب . واعتمدوا على الفرس اعتمادا كاملا ، بل كان الخلفاء العباسيون يحرصون على رفع منزلة العرب ، ويأنفون من إذلالهم ، فيروى الطبري « 1 » أن المنصور رأى خادما له من أصل عربى سبى من اليمن ، وبيع إلى بعض بنى أمية ثم إلى المنصور فاعتقه المنصور وقال : لا يدخل قصرى عربى يخدم جرمي ، وأقدم على الهادي شهود على رجل أنه شتم قرشا ، فجلس الهادي مجلسا فيه فقهاء أهل زمانه ، ومن كان بالحضرة على بابه وأحضر الرجل ، وأحضر الشهود ، وأقروا بما سمعوا عن الرجل فقال الهادي : إني سمعت أبي المهدى يحدث عن أبيه المنصور عن أبيه علي بن عبد اللّه بن عباس قال : من أهان قريشا أهانه اللّه . وعاقبه الهادي أشد عقاب « 2 » . وحتى الخليفة المأمون الذي تأثر كثيرا بالفرس لما اعترضه رجل من العرب وقال له : يا أمير المؤمنين أنظر العرب كما نظرت لأهل خراسان قال المأمون : واللّه ما أنزلت قيسا عن ظهور الخيل إلا وأنا أرى أنه لم يبق في بيت مالي درهم واحد « 3 » . وحتى الفرس على الرغم مما بلغوه من حظوة في بعض فترات الحكم العباسي ظلوا يعتقدون أن العنصر العربي أفضل منهم . بدليل أنهم احتاجوا في كثير من الأحيان إلى الانتماء إلى العرب بالولاء حتى أصحاب المكانة الكبيرة منهم ، فأبو مسلم الخراساني يزعم أنه من أصل عربى حتى يحظى بتقدير الناس وتأييدهم ، فادعى أنه من ولد سليط بن عبد اللّه بن عباس « 4 » وحمزة بن ميمون - أحد المقربين إلى المهدى - يغضب ويعاتب الخليفة حينما قدمه إلى أحد جلسائه القرشيين على أنه مولى « 5 » . وإسحاق الموصلي ذهب إلى خازم بن خزيمة - وهو عربى - وطلب منه أن يكون مولى له ، فيقبل ذلك منه « 6 » ومهما يكن من أمر فقد ظهر في بغداد منذ نشأتها عنصران رئيسيان من سكانها
--> ( 1 ) تاريخ الأمم والملوك حوادث سنة 158 ه . ( 2 ) ابن كثير : البداية والنهاية ج 10 ص 169 . ( 3 ) الطبري : تاريخ الأمم والملوك حوادث سنة 218 ه . ( 4 ) المصدر السابق حوادث سنة 137 ه . ( 5 ) الجهشيارى : الوزراء والكتاب ص 142 . ( 6 ) الأصفهاني : الأغانى ج 5 ص 269 - 270 .